المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخوف والحرية على شبكة الإنترنت


فاتن
01-21-2006, 07:01 AM
بروجيكت سنديكيت


بيتر سِـنجر

في وقت سابق من هذا الشهر ذكرت التقارير أن شركة ميكروسوفت، في استجابة لطلب من حكام الصين، أغلقت أحد المواقع الشخصية المتخصصة على شبكة الإنترنت (blog) والذي كان مواطن صيني قد أنشأه بالاستعانة بخدمة MSN Spaces التي تقدمها شركة ميكروسوفت. وكان صاحب الموقع الشخص المتخصص زهاو جينج ينشر على موقعه تقارير حول إضراب قام به الصحافيون في جريدة "أخبار بكين" (The Beijing News) في أعقاب صرف رئيس تحرير الجريدة المستقل الرأي من الخدمة.

إن هذا التصرف من قِـبَل ميكروسوفت يثير تساؤلاً جوهرياً: هل من الممكن حقاً أن تعمل شبكة الإنترنت كقوة من أجل الحرية تعجز الحكومات عن السيطرة عليها بنفس القدر من السهولة التي تسيطر بها على الصحف والإذاعة والتلفاز؟

من العجيب أن مؤسس ميكروسوفت ورئيسها بِل جيتس كان من أشد المتحمسين دفاعاً عن هذا الرأي. حتى أنه في أكتوبر الماضي فقط قال: "لم تعد هناك حقاً أية وسيلة لقمع المعلومات أو حجبها اليوم، وفي اعتقادي أن هذا يشكل تطوراً رائعاً لا نملك جميعاً إلا أن نشعر بارتياح حياله... إنه وسط يتسم بالانفتاح التام والحرية الكاملة، وهذا ما يضفي عليه طبيعة خاصة للغاية".

على الرغم من هذه المشاعر الفياضة، إلا أن ميكروسوفت تساعد السلطات الصينية في محاولاتها لقمع المعلومات بأفضل ما في وسعها. ولقد ذكرت التقارير أن متحدثة بلسان ميكروسوفت كانت قد أعلنت أن الشركة قامت بحجب "العديد من المواقع" في الصين، كما كان من المعروف لعدة أشهر أن أدارة ميكروسوفت لإنشاء المواقع الشخصية المتخصصة في الصين تقوم بترشيح وحجب كلمات مثل "ديمقراطية" وتعبيرات مثل "حقوق الإنسان" وتحذفها من عناوين المواقع الشخصية المتخصصة.

ويتلخص دفاع ميكروسوفت عن نفسها في أنها مجبرة على "الالتزام بالقوانين المحلية والعالمية". لكن الحقيقة أن مواقع (MSN Spaces) تحفظ على وحدات خدمة شبكات مقرها الولايات المتحدة. وعلى هذا فإن القوانين المحلية التي تنطبق عليها لا بد وأن تكون قوانين الولايات المتحدة، وبالتالي فإن مناقشة زهاو جينج لإضراب الصحافيين في بكين لا يخالف أياً من هذه القوانين.

فضلاً عن ذلك فلا توجد أية قوانين عالمية تمنع مواطني الصين من مناقشة أحداث تفضل حكومتهم ألا يتعرضوا لها بالمناقشة. فصحيفة نيويورك تايمز على سبيل المثال تتمتع بمطلق الحرية في نشر تقاريرها عن الإضراب، حتى مع أنها تدير موقعاً على شبكة الإنترنت يستطيع أي شخص من مستخدمي الإنترنت الاطلاع عليه إن لم يكن دخوله على الشبكة خاضعاً للمراقبة أو الترشيح. وإذا لم تكن الحكومة الصينية تريد لمواطنيها أن يطلعوا على الصحف الأجنبية، فلابد إذاً أن تعتمد على جهودها الخاصة في التوصل إلى سبيل تتمكن به من منع مواطنيها من الدخول إلى مواقع تلك الصحف. والصحف ليست ملزمة بأي حال من الأحوال بالقيام بهذا من أجل الحكومة الصينية أو غيرها.

وعلى هذا فقد كانت حجة ميكروسوفت في الدفاع عن نفسها حجة واهية لا أساس لها من الصحة. نستطيع فقط أن نخمن السبب الحقيقي الذي دفع الشركة إلى إغلاق ذلك الموقع على شبكة الإنترنت، إلا أنه مما يبدو أن خشيتها من ردود أفعال قد لا تكون مواتية لمصالحها التجارية في الصين كانت من بين العوامل المهمة التي دفعتها إلى اتخاذ ذلك القرار.

مما لا شك فيه أن أي شركة تستطيع، بل يتعين عليها أن تضع حدوداً لاستعمال خدماتها. والحقيقة أن الخط الصارم - الذي ينادي بالسيادة الكاملة لحرية التعبير- يصطدم بالعديد من الأمثلة المؤلمة. وطبقاً لتصريح جيتس فإن ميكروسوفت تستطيع منع مستعملي خدماتها من نشر تعليمات حول تصنيع القنابل النووية، أو إرسال تصريحات مؤيدة للنازية إلى ألمانيا حيث تعتبر مثل هذه المواد غير قانونية، أو بث مواد إباحية يشارك فيها أطفال.

ولكن ما الصلة بين هذه الأمثلة وقضيتنا؟ في إطار دفاعه الكلاسيكي عن حرية التعبير في كتابه "حول الحرية" (On Liberty) يؤكد جون ستيورات مِل أن السبب الأقوى وراء أهمية حرية التعبير يتلخص في كونها الأداة الضرورية لتشجيع المنافسة بين أوسع نطاق ممكن من الأفكار، وأن المناقشة المتحررة من القيود والأغلال تشكل الوسيلة الأفضل لاختبار تلك الأفكار. وإذا ما بادرت الحكومات إلى حماية الأفكار من الانتقاد فإنها بهذا تحولها إلى معتقدات صلبة فاقدة للحياة، بصرف النظر عن مدى صدقها.

وإذا اتفقنا مع مِل في رأيه، فإن مثالاً واحداً من الأمثلة التي ساقها جيتس يندرج تحت فئة التعبير الذي لابد من حمايته. ذلك أن وصفات تصنيع القنابل النووية هي في الواقع تقنيات وليست أفكارا. كما أن بث مواد إباحية يشارك فيها أطفال ليس تعبيراً عن أفكار. وعلى هذا فإننا نستطيع أن نحظر الفئتين دون أن نخالف حجة مِل. (من ناحية أخرى، إذا كانت هناك مقالة تزعم أن انجذاب البالغين إلى الأطفال جنسياً ليس سلوكاً معيباً ولابد وأن يكون مباحاً، فإن هذا يعد من قبيل التعبير عن الأفكار وليس لنا أن نفرض الحظر عليه، بصرف النظر عما نراه في هذه الأفكار من خطورة شديدة).

والحقيقة أن المثال الأكثر صعوبة بين أمثلة جيتس الثلاثة هو ذلك الذي يتحدث عن نشر تصريحات مؤيدة للنازية على موقع على شبكة الإنترنت موجه إلى ألمانيا. من السهل أن نفهم رغبة ألمانيا في حظر مثل هذه التصريحات. ذلك أن القوانين العديدة في بلدان مختلفة والتي تمنع التحريض على الكراهية العرقية، وهو أمر مفهوم ومبرر، تتفق مع دفاع مِل عن الحرية، إن كانت مثل هذه القوانين تركز حقاً على مسألة التحريض على الكراهية ولا تتطرق إلى تأييد بعض الحجج التي قد تخاطب المقدرات العقلية لدى الناس.

وقد يقترح من يدافع عن قمع الأفكار النازية أنها قد أخضعت للتجربة بالفعل وأخفقت ـ بأبشع صورة يمكن تخيلها ـ في إنشاء مجتمع أفضل. ولكن إذا ما بحثنا عن إشارة تؤكد تجاوز ألمانيا لماضيها النازي فلن نجد أفضل من تركيز قوانينها بصورة خاصة على مسألة التحريض على الكراهية العرقية، بدلاً من تركيزها على مسألة النازية.

وفي كل الأحوال، فإن الإجراءات الصارمة التي تفرضها الصين على نشر تقارير صريحة أو مناقشة أحداث جارية في ذلك البلد، لم تكن قط من قبيل قمع أو حجب إيديولوجيات سياسية مخزية، بل إنها في الحقيقة تشكل حظراً على الحوار السياسي المثقف. وإذا كان بِل جيتس يعتقد حقاً أن شبكة الإنترنت لابد وأن تعمل كقوة لتحرير الناس فيتعين عليه أن يحرص على منع ميكروسوفت من القيام بالعمل القذر نيابة عن حكومة الصين.

بيتر سِـنجر أستاذ الأخلاق الحيوية بجامعة برينستون. ومن بين أحدث مؤلفاته كتاب "كتابات حول حياة أخلاقية"، وكتاب "عالم واحد". وهو الآن يعمل على استكمال كتاب عن الغذاء والأخلاق.

عن الغد