المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فيلم «الجنة الآن» صورة غير تقليدية للانتحاريين الفلسطينيين


سمير
12-17-2005, 10:48 AM
http://www.asharqalawsat.com/2005/12/16/images/tvsupplement.338508.jpg


محمد الظاهري

يأتي فيلم «الجنة الآن» للمخرج الفلسطيني هاني ابو اسعد كواحد من ابرز الأفلام العربية خلال هذا العام إن لم يكن ابرزها واكثرها اثارة للإهتمام، ولقي عند عرضه في مهرجان برلين الدولي الفائت ترحيبا واسعا من حضور المهرجان، وحصل على عدد من الجوائز الفرعية فيه، وكذلك كانت ردود الأفعال عند عرضه في الصالات الأميركية. وهو يحط رحاله الآن في مهرجان دبي السينمائي الدولي كفيلم الافتتاح وحدث المهرجان الرئيسي.

يسلط الفيلم الضوء عن قرب على احد اهم وسائل المقاومة الشعبية، والتي هي ايضا موضع جدل واسع على المستوى العالمي، وكذلك في الداخل الفلسطيني. فالمقاومة بالحجر والمقلاع لم تعد بذات الجدوى التي كانت عليها في الإنتفاضة الأولى. لكن ابتداء من الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بدأت عمليات المقاومة تأخذ منحى اكثر حرفية وعملية، وربما وحشية في بعض الأوقات من خلال اقحامها للعديد من الشباب الفلسطيني المحبط لتنفيذ عمليات انتحارية في الداخل الإسرائيلي. وقد اتخذ الفيلم الشخصيتين الرئيسيتين سعيد وخالد كنموذج لاولئك المحبطين.

شابان من مخيمات نابلس الفقيرة، يعملان في ورشة لإصلاح السيارات، إلا ان الأوضاع المادية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها كل منهما، والتي يشاركهما فيها الكثيرين من الشباب الفلسطيني في المخيمات، تدفع بهما الى ايجاد مخرج من هذه الأوضاع المتأزمة. ويتم اختيارهما لتنفي عملية انتحارية في تل ابيب، إلا ان الفيلم لا يقف عند التسلسل الزمني والاستعداد الجسدي لهكذا عملية، إنما يذهب ابعد من ذلك الى الدوافع الحقيقة للإقدام عليها والتي ستؤثر بشكل او آخر في تنفيذها واتمامها.

لقد سعى ابو اسعد من خلال شخصيات فيلمه ان يغير من الصورة التقليدية التي رسمت حول الانتحاريين والتي لا تزال عالقة في اذهان الكثيرين، فشخصيات الفيلم لم تكن بتلك الشخصيات المتطرفة فكريا، او سبق لها ان انخرطت في اي من تلك التيارات الجهادية المتشددة، والتي تتخذ من العنف وسيلة يتيمة للأخذ بالرد واسترداد الحقوق. ولم تكن بتلك الشخصيات التي تلقت في سابق عهدها تدريبات حركية مكثفة، او كانت تقع تحت تأثيرها فكريا. على العكس من ذلك، كانت الشخصيات بسيطة جدا وتتعاطى مع قضيتها بتلقائية وفطرية تامة، وكانت محبة للحياة، ولمتطلباتها.

من هذه الحيثيات كان لأبي اسعد ان يبحث عن صورة دقيقة لنفسية الانتحاري، ودراسة موسعة لكل ما يحيط به من مؤثرات تبدو لوهلة ان تأثيرتها تافهة، إلا انها في الواقع هي الشرر التي ستقود إلى النهاية المحتومة، بالتالي هو يقدم خطوط عريضة لبداية يمكن ان نتفهم من خلالها هذه التركيبة، من دون ان يشير بشكل او اخر الى شرعية افعالها. لقد كان طرح القضية الفلسطينية في السينما العربية يمثل مبدأ قوميا لدى الكثير من صناع الأفلام، ولذلك فلم تكن تراوح المحيط التي تدور فيه، تثير المواجع، وتعيد فتح ملفات قد لا تفيد في طرح قضاياها بشكل ايجابي وبناء. وتمثل بصورة او أخرى نظرة أحادية وحادة النظرة. ولذلك لم تكن تؤتي اكلها، او تصيب مرماها. إلا انه وخلال السنوات القليلة الماضية، اتجه العديد من المخرجين الفلسطينيين الى الإلتفات الى قضاياهم، وايلاها اهتماما اكثر، ومعالجتها بصورة بعيدة عن الأطر القومية والمذهبية او حتى التاريخية.

ولقيت مثل هذه الأفلام اصداء واسعة، ومتابعة غربية جيدة، لأنها تقدم معالجات تصلح لأن تكون قضية انسانية وعالمية. ولقد اثار الفيلم الرائع «يد إلهية» للمخرج الفلسطيني ايليا سليمان قبل سنتين الانتباه وحاز الإعجاب كما هو الحال مع «الجنة الأن»، وذلك للطرح المختلف والجديد لقضية هي اعمق من كونها قضية ارض او تاريخ، إنها قضية انسان مهمش لا يزال ينتظر تحديا لمصير يحفظ به كرامته».