المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماو تسي تونغ كان همه الوحيد الطبخ و«حفيدات الشعب»



مجاهدون
06-13-2005, 01:03 AM
لم يكن المؤسس الحقيقي للحزب الشيوعي

صاحبة «البجعات الثلاث» تفكك شخصية «ربان الصين العظيم»


http://www.asharqalawsat.com/2005/06/09/images/books.304487.jpg


أمير طاهري

هذه هي بعض الكليشهات التي تستعمل لوصف جمهورية الصين الشعبية: «أكبر النمور الآسيوية!» و«معجزة القرن الجديد الاقتصادية!» «و» القوة العظمى اللاحقة!». لقدعرفت الهياكل السياسية الشيوعية لهذا البلد نموا متميزا خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة. وخلال تلك الفترة برزت جمهورية الصين كثاني أكبر مستورد للنفط الخام بعد الولايات المتحدة، وأكبر مصدِّر عالمي للأنسجة، وأكبر منتج للسلع الاستهلاكية الزهيدة الثمن.
وحسب بعض التقديرات فإن الصين التي سيبلغ عدد سكانها 1.5 مليار نسمة في عام 2010 تحتل اليوم موقع رابع أكبر اقتصاد وقد تبرز باعتبارها الأكبر خلال عقد واحد. ومن كل ذلك يشير الخبراء ان علينا أن نهيئ أنفسنا لليوم الذي تمارس فيه الصين ثقلها السكاني والاقتصادي كي تملي رؤيتها على العالم بأجمعه.

لكن هذه النظرة تجاه صعود الصين كقوة عظمى جديدة هي موضع تحدٍ من قبل يونغ تشانغ وجون هاليداي في كتابهما الجديد حول ماوتسي تونغ. والرسالة الأساسية التي يقدمانها عبر هذا المؤلَّف من خلال دراسة ممتازة لواحد من أهم الوجوه السياسية الغامضة في القرن العشرين هو أنه بدون الدخول في عملية صادقة لإزالة آثار الماوية الشبيهة بما جرت لإزالة الستالينية التي أطلقها نيكيتا خروشوف عام 1956 في الاتحاد السوفيتي فإن النجاح الاقتصادي الصيني محكوم عليه بالانتهاء نهاية بائسة أكثر من أن يكون نصرا.

لا يبدو أن هذا الحكم وهمي، إذ خلال نصف القرن السابق شهد العالم صعود وانهيار ما اعتقد أنها «قوى عالمية جديدة» ابتداء من الأرجنتين تحت قيادة بيرون وانتهاء باندونيسيا تحت قيادة سوهارتو وهذه التجارب صعدت إلى الأعلى كالنسور ثم هبطت وكأنها حمائم مصنوعة من الطين. وإذا كان التاريخ يعلمنا درسا واحدا فإنه سيكون التالي: لن تستطيع أي أمة أن تصبح قوة اقتصادية حقيقية وثابتة بدون أن تبني نظاما سياسيا ديمقراطيا. وهذا بلا شك هو ما تسعى القيادة الحالية في الصين إلى مقاومته على الرغم من تعهد الرئيس الصيني الجديد «هو جينتاو» بتحقيق الإصلاح. فهي تسعى للحفاظ على احتكار السلطة السياسية. ولهذا السبب فإن ماوتسي تونغ الذي وصِف في هذا الكتاب باعتباره طاغية ساديا مستمرا في الحفاظ على موقعه «المقدس» في هذه الأسطورة الخاصة بالسلطة السياسية في بكين.

سبق ليونغ تشانغ أن كتبت سيرتها الذاتية في عمل سردي كسب شهرة كبيرة هو «البجعات البرية» أما جون هاليداي فهو زوجها الذي كرس خمس سنوات يبحث في حياة «الربان العظيم» مثلما كان يحب ماوتسي تونغ أن يصف نفسه. ويتضمن البحث الذي قام به هاليداي زيارات عديدة بعضها كانت لبضعة أسابيع للصين مع زوجته، والشيء المدهش أن السلطات هناك أبدت تعاونا كبيرا معهما حيث تمكنا من السفر بحرية كاملة بل كذلك وافقت على أن يجريا مقابلات مع عدد من المسؤولين الحكوميين.

كان كتاب تشانغ الأول «البجعات البرية» شهادة حول الخراب الذي خلفته «الثورة الثقافية البروليتارية العظمى» كما عرفت في وقتها في الصين وهي لم تكن سوى عنف جماعي نظمه ماوتسي تونغ نفسه. وهذا الكتاب ممنوع تداوله في الصين وكانت المؤلفة تشانغ تتوقع استقبالا عدوانيا لها عند ذهابها إلى بكين بعد سنوات طويلة في المنفى. لكنها مع زوجها حصلت على «مساعدة أكثر مما كنا نتوقعها» في تنفيذ برنامجهما الخاص بماوتسي تونغ. وقد يكون السبب وراء ذلك هو معرفة القيادة الحالية بوجود حاجة لفهم أكثر واقعية لا لشخصية ماوتسي تونغ الغريبة الأطوار، بل لفهم تاريخ الصين خلال القرن العشرين. وهذا الفهم الواقعي يتطلب تفكيك الكثير من الأساطير وما قام به تشانغ وهاليداي هو ذلك فقط.

حقائق مخفية

* للبدء بتنفيذ هذا الهدف أظهر المؤلفان أن ماو، على عكس الأسطورة الرسمية، لم يكن هو المؤسس للحزب الشيوعي الصيني. فالحزب تأسس من قبل عميل «للكومنترن» أداة الاتحاد السوفيتي لإدارة الأحزاب الشيوعية في الخارج وقد بُعث ذلك الشخص من موسكو مع مبلغ نقدي كبير. وكان ماو واحدا من عدة أشخاص تمكن ذلك العميل من تجنيده. في البدء كانت المهمة التي كلف بها ماو هي فتح مكتبة في منطقته هونان لتوزيع تراجم لأعمال ستالين ولينين وشخصيات بلشفية أخرى. ولم يقم ستالين باختيار ماو كزعيم للحزب الشيوعي الصيني إلا بعد ثلاث سنوات من تأسيسه.

كذلك قام تشانغ وهاليداي بتفكيك الأسطورة التي تقول إن «المسيرة العظمى» الشهيرة هي من إبداع وقيادة ماو. واستنادا إلى مقابلات عدة مع محاربين قدماء شاركوا في تلك المسيرة أظهر المؤلفان أن ماو التحق بها بعد بدئها ووضع نفسه في موقع القائد لها في آخر مرحلة منها. وكان أكثر من نصف أولئك الذين بدأوا المسيرة لم يتمكنوا من إكمالها حيث أنهم ماتوا في الطريق بسبب الجوع أو البرد أو الأمراض، بينما ماو وعدد من أتباعه المقربين لم يخسروا أي وجبة طعام ولم يعانوا من البرد، لكنهم كانوا أذكياء بما فيه الكفاية للظهور من وقت إلى آخر في أفلام وثائقية وفي صور فوتوغرافية.

كذلك تم تدمير سمعة ماو باعتباره قائدا عسكريا فذا في هذا الكتاب. نحن عرفنا الكثير من التفاصيل عن الهزائم التي سببتها قيادة ماو العسكرية للشيوعيين كلما كلف بأداء هذه المهمة. أما الانتصارات التي حققها الشيوعيون خصوصا ضد قوى الكومينتانغ القومية تحت قيادة الجنرال تشيانغ كاي تشيك فهي بفضل قادة آخرين مثل المارشال تشو تي.

ولم يكن ماو أيضا قائدا فلاحيا مثلما رددت بعض كتب السيرة الذاتية السابقة فهو لم يمض يوما واحدا من حياته في حقل ريفي أو عاش في كوخ فلاح. هو لم يكن إلا مثقفا مدينيا ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، كان معجبا بالفلاحين في خطبه العلنية فقط، لكنه في أعماقه كان يحمل احتقارا عميقا لهم في جلساته الخاصة. وحينما كان في السلطة كان يقوم من وقت إلى آخر بزيارة الفلاحين في الكومونات التي أسسها من أجل الإبقاء على صورته باعتباره زعيم الشعب. لكن عند عودته من تلك الزيارات كان يأخذ حماما طويلا ثم يقوم بتعطير نفسه للتخلص من «رائحة الفلاحين».

كان له هوس كبير في صناعة مسابك للحديد وطواحين للفولاذ. وكان رجله النموذجي الشخص القادر على قيادة طائرة أكثر من حلب بقرة.

ورسم المؤلفان صورة لماو بأنه شخص كسول لم يقم طيلة حياته بأي عمل يومي حقيقي. ولم يكن شخصا قارئا مثلما طرحته كتب السيرة الذاتية الرسمية لعقود عديدة. وهو في الحقيقة لم يقرأ أي شيء على الرغم من أنه يحب إحاطة نفسه بالكتب. وإذا كانت لماو صفة إيجابية واحدة فهي حبه للشعر. فكلما توفرت له فرصة في عزل نفسه عن عالم الحروب والسياسة كان يختفي مع عدد من كتب الشعر وأحيانا يستمر اختفاؤه لعدة أيام. وكان طموحه السري أن يكون شاعرا معترفا به وخلال سنوات كثيرة نظم آلاف القصائد. لكن الشيء المحزن أن أشعاره كانت ذات طابع طفولي ساذج.

عدا عن الشعر كان ماو يحب الطعام المتقن الطبخ. وحالما ثبَّت نفسه في السلطة عمل له مطبخا ملكيا مع جيش من الطباخين ومساعديهم لخدمته. وأصبح قصره في «المدينة المحرمة» الواقعة في قلب بكين نوعا من المختبر لأنواع كثيرة من الأطعمة الصينية الرفيعة والتي تم ابتكارها بواسطة طباخين موهوبين من كل الصين.

لكن أضعف نقطة في ماو حسب ما قاله المؤلفان هي «عقدة لوليتا». فهو كان يحب الفتيات المراهقات، وكان يحب دائما أن يكون محاطا بما لا يقل عن عشر منهن وأن يكن متوفرات تحت حريمه غير الرسمي، بل حتى حينما بلغ الثمانين من عمره كان «الأب الأكبر للشعب» يحيط نفسه بـ «حفيدات الشعب» اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 11 و16 سنة. يتضمن الكتاب بعض الفصول المكرسة لكشف أكثر الجوانب سادية في شخصية ماو الذي كان يفضل بلوغ أقصى الدرجات في إذلال أو تدمير أي شخص يعتبره إما تهديدا له أو مجرد أنه أفضل منه. وسلط المؤلفان الضوء على قضية ليو شاو تشي أحد المؤسسين الأوائل للحزب الشيوعي الصيني الذي أصبح رئيسا للوزراء في فترة الستينات من القرن الماضي.

كان ماو يمقت حقيقة كون ليو جاء من عائلة متميزة وكان له تعليم جيد تحقق جزء منه في فرنسا. وخلال ما سمي بـ «الثورة الثقافية» قام ماو بإدانة ليو باعتباره واحدا من «دعاة الرأسمالية»، وهذه إشارة إلى أولئك القادة الذين كانوا يريدون تحقيق الإصلاح لنموذجها الاقتصادي الشديد المركزية. وتحت تحفيز ماو قام الرعاع الشباب الذين كانوا يرتدون البزات الموحدة الخاصة بـ «الجيش الأحمر» باعتقال ليو وإجباره على «الاعتراف بأخطائه». لكن ذلك لم يكن كافيا لماو، إذ انه أصر على إذلال ليو علنا وتم تصوير هذا الإذلال وعرضه في شتى أنحــاء الصين.

مع وجود حالات استثنائية قليلة مثل رئيس الوزراء شو إن لاي ووزير المالية لي هسين ـ نيين اللذين تمكنا من الإفلات من الإذلال فإن معظم قادة الحزب الشيوعي تم جمعهم وإذلالهم علنا وفي بعض الحالات تم إرسالهم إلى «معسكرات إعادة التربية» لعدة سنوات.

بل حتى دينغ هشياو بنغ الذي أصبح لاحقا العقل المفكر للصين ومهندس الإصلاحات الاقتصادية قضى ثلاث سنوات ينظف المرافق العامة في «معسكرات إعادة التربية» بعيدا عن بكين. وهناك شكوك بأن موت لين بياو الذي كان ينظر إليه في ذلك الوقت باعتباره خليفة ماو قد حدث بشكل متعمد بعد سقوط الطائرة التي كانت تقله.

كان ماو يحب مشاهدة الأفلام الإخبارية المصورة التي يتعرض فيها رفاقه الكبار للإذلال والإهانة. وكان ينفجر بالضحك كلما ظهر أحدهم على شاشة التلفزيون يتوسل طالبا المغفرة من الثوريين المراهقين الذين كانوا يلوحون بكتاب ماو الأحمر الشنيع.

هل كان ماو حقا مؤمنا أن كتيبه الأحمر مثلما كانت ماكينة الدعاية السياسية تقول هو الكتاب الوحيد الذي يحتاج إليه مليار صيني بل كل الجنس البشري من أجل تحقيق التقدم والرخاء؟ أم أنه في أعماقه كان يعرف بأنه باع لهم ولبقية العالم مجرد فاتورة سلع معينة؟

سؤالان معلقان

* بالرغم من إن قراءة هذا الكتاب ممتعة جدا، إلا إن المؤلفين تركا وراءهما سؤالين مهمين لم يقدما لهما أي إجابة.

الأول هو لماذا وقع الكثير من الصينيين بضمنهم مئات الآلاف من الذين يتمتعون بتعليم عال وبعضهم عاش في الدول الغربية الديمقراطية لسنوات عدة تحت سحر ماو؟ ففي نهاية المطاف لم يفرض ماو تقليد عبادة الفرد لوحده. ولا يمكن لشخص ما أن يشير إلى أنه حقق ما حققه بفضل دعم الاتحاد السوفيتي له. صحيح، أن ستالين اعتمد كثيرا على ماو لكن بعد وفاة ستالين وتعمق الخلاف بين موسكو وبكين تمكن ماو من أن يبني حقا تقليد عبادة الفرد.

في إحدى قصائده يقول برتولت برخت ساخرا بالمؤرخين الذين قالوا إن يوليوس قيصر عبر نهر الراين في الشتاء:

هل كان القيصر لوحده حينما عبر الراين في الشتاء؟

ألم لم يكن هناك أي شخص يعد له حساء في الليل؟

وهل لا أحد هناك يلمع حذاءه؟

يمكن للمرء أن يتساءل فيما إذا كان المجتمع الصيني آنذاك هو الذي خلق ماو أو العكس صحيح. من الواضح أننا كلما رأينا الفرد بشكل عقلاني باعتباره نتاجا للمجتمع لا العكس. ومهما يكن فإن ماو لم تكن لديه آلات للقسر في الغرب خلال فترة الستينات من القرن السابق حيث انه كان شخصية محبوبة جدا في الجامعات وبين أوساط المثقفين مثلما رسمه جان لوك غودار في فيلمه «الصينية». ومثلما يقول المثل الفرنسي: لا يصبح أي شخص ديوثا بدون أن يعمل من أجل أن يكون هذا! أما السؤال الآخر الذي لم يعالجه المؤلفان فهو: لماذا تستمر القيادة الصينية الحالية التي هي ليست بأي شكل من الأشكال ماوية في إبقاء حضوره «المقدس»، والمحافظة على تقاليد عبادة الفرد الخاصة به حية؟ لا بد أن يكون أي شخص من القيادة الحالية في بكين على علم بأن أكثر أعضائها ينظرون إلى ماو باعتباره عنصر إحراج لهم على أقل تقدير.

بعد كل المقابلات التي أجريتها مع عدد من القادة الصينيين بضمنهم شو إن لاي وهوا كو فينغ ودينغ هيسياو بينغ ولي هسين ـ نيين خلال الثلاثين عاما الأخيرة لم أشعر أن هناك أي تعاطف حقيقي بينهم لـ «الربان العظيم»، مع ذلك فإن كل هؤلاء اختفت آثارهم وبقي ماو هنا مبتسما عبر لوحة عملاقة منصوبة في ساحة تينانمن الواقعة في وسط بكين.

لكن عليهم ألا يندهشوا، فالصين تظل لغزا ملفوفا بالغموض. ولهذا السبب يستطيع أي شخص أن يزعم أنه يعرف إلى أين تتجه الصين سيتضح له لاحقا أنه على خطأ.