المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام محمد مهدي شمس الدين رؤية مؤسساتية ودور فكري رائد



على
01-13-2005, 05:17 PM
بقلم- الشيخ عبد الأمير شمس الدين*

* مفتي جبل لبنان وكسروان - والكلمة بمناسبة الذكرى الرابعة لوفاة شقيقه.

في هذه الايام من شهر يناير يغمرنا حزن عميق لانها تحمل ذكرى وفاة العالم العامل و المجاهد الرسالي الواعي و المجتهد في شتى حقول العلم و المعرفة و الفقه الامام آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين اعلى الله درجته في دار رحمته.

ففقيد الامة و الوطن الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين هو احد خريجي مدرسة اهل بيت الطهر النبوي والعصمة قد تأسى بأئمته في القيام بدوره الريادي و الجهادي فبعد ان امضى رحمه الله ما يقارب الخمسة و ثلاثين عاما في تحصيل العلوم على اختلافها اخذ يؤدي دوره المتميز أستاذاً بارزاً في جامعة النجف الاشرف الى جانب مشاركته في مجالات النشاط الفكري و السياسي و الاجتماعي و كانت سنيُّ عمله الميداني في العراق و في لبنان حُبلى بأحداث جسام مرت و ما زالت على العالمين العربي و الاسلامي.

و كان له قدِّس سُّره امام كل ما يستجد من احداث مواقف وتحليلات دقيقة, حيث يتناول الحدث او الظاهرة بجرأة نقدية وعلمية و بأسلوب مميز و نظر ثاقب يحظى باعجاب من يسمع تحليله او يطلع عليه,... و قد ايدت نتائج الكثير من تلك الاحداث صحة توجيهاته و توقعاته, و كأنما كان ينظر في ضمير الغيب الى ايجابياتها او سلبياتها.

الى جانب ذلك تميز الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين خلال مرحلة وجوده في العراق برؤيته المؤسساتية , فإنه الى جانب عمله الثقافي و الاجتماعي المكثف و الفعال وسط عشائر العراق وجماهيره أنشا في منطقة الفرات الاوسط مشروعا ضخما متعدد الاجنحة ذات النفع العام من تعليمية و صحية و تثقيفية و عبادية, وانشأ له سوقا ليستفاد من مردوده المالي لتغطية احتياجات بعض هذه المرافق الحيوية... كما انشأ رضوان الله عليه في اماكن كثيرة من مناطق الفرات الاوسط اكثر من عشرين مسجداً.

و بعد عودته الى وطنه لبنان عمل الى جانب اخيه القائد الملهم سماحة الامام المغيب السيد موسى الصدر " حقق الله الآمال بعودته الى ساحة جهاده", عملا معا بكل اخلاص في خدمة قضايا الوطن اللبناني و تحصينه من اخطار الداخل و الخارج و خدمة قضايا الامتين العربية و الاسلامية فتعاونا على نقل فكرة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الى عالم الوجود و انشاء مؤسساته فكان مستشفى الزهراء ومؤسسة البرج الشمال و مدينة " الصدر " في البقاع و غيرها, ثم دعم الامام شمس الدين للامام السيد موسى الصدر في مشاريعه المؤسساتية الخاصة التي قام بها سماحة السيد مثل حركة المحرومين في لبنان و افواج المقاومة اللبنانية "امل"...

وبعد جريمة تغييب الامام الصدر استقل الامام شمس الدين- بعد جهود مضنية- بذلها لتاسيس الجامعة الاسلامية في لبنان ثم كافح بكل ما اوتي من عزم وقوة على انجاحها و استمرارعطائها و لم يغفل عن رعايتها حتى بعد ارتحاله حيث اوصى لها بمبلغ ضخم صرف بكامله على المبنى الجديد الذي افتتح في اواسط العام المنصرم 2004 حيث سدت اجنحته نشاطات حيوية للجامعة, كما عمل على اقامة المؤسسات الثقافية و العلمية ذات الاختصاصات المتعددة كالمعهد الفني الاسلامي و الحوزة العلمية " معهد الشهيد الاول للدراسات الاسلامية " مدرسة الضحى و مبرة السيدة زينب عليها السلام و مجمع الغدير الثقافي.. كل ذلك من خلال الجمعية الخيرية الثقافية التي يراسها.

اما مؤلفاته الكثيرة في مختلف جوانب المعرفة الاسلامية والانسانية من فقهية استدلالية و اعتقادية و تاريخية و اجتماعية حساسة تتناول موضوعاتها في نظر الباحثين قضايا العصر.
اما بالنسبة الى دوره الرائد للمقاومة ضد العدو الصهيوني قبل الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982 و بعده.. فهو ليس فقط مهندسها كما عبر بعض قادة المقاومة و انما هو الى جانب ذلك موجدها من خلال تاسيسه للمقاومة الشاملة ضد اسرائيل و من خلال فتواه ابان الاحتلال الاسرائيلي للبنان سنة 1982 و اعطائه الامر للمقاومين الذين راجعوه حول موقفهم الشرعي امام هذا الاجتياح فافتاهم بوجوب مقاومة العدوان و صده, و قد بدات معركة خلدة المشهورة نزولا عند هذه الفتوى.

ثم إن بياناته المتلاحقة الى اللبنانيين عموما و الجنوبيين خصوصا بوجوب مقاومة الجيش الاسرائيلي, و خطبه المتكررة بلزوم مقاطعة الاحتلال بشكل كامل, و مقاومته بكل الوسائل المتاحة, حتى ان دعواته و نداءاته المتكررة و بياناته في ذلك الوقت العصيب, ضايقت الكثيرين من الانهزاميين و المخدوعين و النفعيين, فكانوا يواجهون خطواته الجريئة هذه بالنقد, حتى ان بعض رجال الدين كانوا يعلقون غاضبين بأن:" الشيخ شمس الدين يريد ان يلقي الناس الى التهلكة", و لكن المقاومة المباركة استمرت حتى قرت عينه- قبل وفاته قدس الله سره- بانتصارها بعون الله على العدو الاسرائيلي و انهزامه الى غير رجعة انشاءالله.

إنني ايها الاخوة بعد ما ذكرت من سيرة هذا الفقيد الكبير, فقيد الامة و الوطن, يمكنني ان اكرر القول:" لقد خسر لبنان و العالم العربي و الاسلامي داعية حوار بحق و صدق, بل رائد اصلاح, و عالما من اكبر العلماء, و مرشداً روحيا من اعظم المرشدين, ومجاهدا بلسانه و قلمه على احسن ما يكون الجهاد في سبيل الله.

كان آية الله الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين امة في رجل و بحرا من علم و فضل و عقل و تقوى, مع خلق كريم, كان يمثل الانسان الذي صنعه الاسلام بكل روائعه و تعاليمه و مقوماته, كان الامام الشيخ شمس الدين شعلة تضيء الدياجير و تهدي الحيارى وترشد الضالين, كان القائد الحكيم و ربان السفينة الهادي الى بر الامان و شاطىء النور يوم ان عصفت العواصف و ران الظلام على ربوع لبنان, و يوم ان سادت الدياجير و سدت كل منافذ النور, و لئن استضاء بمشعله ابناء وطننا لبنان فان نوره امتد الى معظم بلاد العرب, و الاسلام بل الى العالم اجمع, و هناك اقطار عديدة لا تنفك تتحدث عن انجازاته الاصلاحية فيها و لم يكن يسمعه السامعون او يراه الراؤون الا في مجلس علم, او على ذرى منبر, او على كرسي جامعة, او عبر قناة فضائية, او على صفحة مجلة او كتاب.

انه رضوان الله عليه, لم يعرف الراحة ابدا لقد كان همه راحة الوطن و سلامة الناس فيه و مستقبل الامتين العربية و الاسلامية بل الانسانية جمعاء,.. و كان دائب العمل ليل نهار لا يمل و لا يكل و لا يجد للراحة سبيلا كان حريصا على ان لا تفلت منه لحظة الا و يكتب فيها سطر خير و نور, او يقول فيها كلمة حق, او ينشر فيها النصيحة والحب بين عباد الله الاقربين و الابعدين .
ان هذا الفقيد الكبير و امثاله لا يموتون, انما يظلون خالدين في قلوب الناس و سطور التاريخ و صفحاته.

رحم الله فقيدنا المقدس العالم الرباني الامام اية الله العظمى الذي كان مرجعا في الدين و الدنيا الشيخ محمد مهدي شمس الدين وحفظ العلماء العاملين ووفقهم الى خير ما يرضاه.