المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : واشنطن الرياض ....انقضاء العهد الذهبي



سمير
07-23-2004, 12:48 PM
جوزف سماحة

ليست العلاقات الأميركية السعودية في أسعد أيامها. صحيح أنها شهدت تأزماً عامي 73 و74 بسبب قطع النفط، ولكنها، اليوم، تعيش توتراً من نوع آخر لم يسبق لها أن عرفته منذ عقود.
قبل 11 أيلول كانت الرياض غاضبة وضاغطة. ووصل الأمر حتى التلويح، في رسالة من الأمير عبد الله إلى جورج بوش، بافتراق طريقي البلدين. لكن الأدوار انقلبت بعد 11 أيلول. أصبحت واشنطن غاضبة وضاغطة.

وبالرغم من <<السر الشائع>> القائل بأن المملكة قدمت للولايات المتحدة دعماً محدوداً في حربها على العراق فإن ثمة <<حملة>> أميركية على السعودية تتدرّج صعوداً من الإدارة إلى الكونغرس إلى الإعلام.

يلتزم الموقف الرسمي الأميركي بإشهار الصداقة. غير أنه يعطف ذلك على مطالبات بزيادة التعاون في مكافحة الإرهاب، وعلى تلميحات إلى إصلاحات سياسية وتعليمية يراها ضرورية.
أما الهيئات التشريعية فتذهب أبعد من الجهاز التنفيذي. قد يصل بعض أعضائها إلى حد وضع مشروع لإصدار قانون محاسبة ولكن الجو العام لا يتورّع عن توجيه اتهامات للحكم أو بعض شخصياته بدعم الإرهاب ولو عبر التكاسل في تجفيف ينابيعه المالية. إلى ذلك يتحدث كثيرون من الشيوخ والنواب عن أن العقيدة الرسمية للدولة السعودية تحض على كره الأجنبي ومقاتلته، وأن من الواجب محاصرة انتشارها في الخارج حيث لم يعد ثمة شيوعية تستوجب المحاربة. ولا شك بأن في خلفية بعض هذه المواقف ما يعتبر دعماً سعودياً للفلسطينيين وغض نظر عن تدفق مقاتلين، عبر الحدود، إلى العراق.

أما وسائل الإعلام فأمر آخر. يتوجب على المرء أن يكون متمتعاً بذاكرة فائقة القوة من أجل أن يستحضر مقالاً واحداً يتضمن دفاعاً عن المملكة. وحتى <<الواقعيون>> باتوا أكثر حذراً في تقديم المبرّرات لاستمرار العلاقات الأميركية السعودية على حالها. الحملة الإعلامية حادة، ذات مشارب ودوافع متعددة تبدأ بحقوق الإنسان ولا تنتهي بأسعار النفط أو عدم الاندراج الكامل في السياسة الأميركية الكونية والإقليمية.

يصعب علاج هذا الوضع لأسباب عديدة. فالعلاقة بين الدولتين خرجت عن إطار النخبة التي كانت تديرها في كل واحدة على حدة. باتت في الحيز العام. هذا أولاً. ثانياً، يبدو جلياً أن المواطنين السعوديين يكرهون السياسة الخارجية الأميركية (كما غيرهم من العرب و... غيرهم) ويأخذون على حكومتهم اعتدالها حيالها أكثر ممّا يكره المواطنون الأميركيون السياسة السعودية واعتدال حكومتهم حيالها.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك حصول تحولات استراتيجية في الشرق الأوسط توحي لواشنطن بإمكانية التحرر من الحاجة النفطية والعسكرية إلى المملكة، وتحوّل مبرّر وجود السلطة السعودية، أي الدين في صيغته المعروفة، إلى ما يعتبره أميركيون مصدر تهديد لأمنهم الوطني. والتكثيف الرمزي لكل ما تقدم هو التركيز الدائم على أن 15 من أصل 19 من مفجري 11 أيلول سعوديون، وهو تكثيف لا يقلّل منه تحوّل المملكة نفسها إلى ضحية للإرهاب.

هذا الوضع للعلاقات الأميركية السعودية مرشح للاستمرار إذا فاز بوش في الانتخابات الرئاسية. وهو مرشح للتدهور بعض الشيء إذا نجح جون كيري. لقد تعمّد المرشح الديموقراطي أن يميّز نفسه عن منافسه في ما يخص السلوك حيال المملكة. وفعل ذلك في موضوعي الإرهاب والنفط.

ففي ما يخص الإرهاب ينص برنامج الحزب الديموقراطي (يعقد مؤتمره خلال أيام) على أن الولايات المتحدة ستفرض <<عقوبات مالية شديدة على الدول أو المصارف التي تنخرط في تبييض الأموال أو تفشل في مواجهته... وإذا كانت هناك دول لا تستجيب فسوف تخرج من النظام المالي الأميركي. وفي الحالة الخاصة بالعربية السعودية سننهي المعالجة اللينة التي اتبعتها إدارة بوش في مواجهة تمويل الإرهاب وتبييض أمواله>>.

وفي ما يخص النفط ورد في البرنامج أنه <<لا تكتمل استراتيجية من أجل الأمن الأميركي من دون خطة لإنهاء اعتماد أميركا على نفط الشرق الأوسط. إن الاقتصاد الأميركي يعتمد، اليوم، على نفط يتحكّم فيه البعض من أكثر الأنظمة في العالم قمعاً. ونتيجة لذلك فإن اقتصادنا سيكون عرضة لمخاطر دول لا تشارك في المصالح الأميركية. إن أميركا غالباً ما تصمت حيال ممارسات بعض الحكومات لأننا نعتمد على نفطها>>.

يمثل هذان البندان ثورة كويرنيكية في نظرة الولايات المتحدة إلى المملكة العربية السعودية. ومع أن التجربة تقول إن <<الوعود الانتخابية>> لا تنفذ تماماً أو لا تنفذ إطلاقاً يبقى أن كيري ينطق باسم أجواء أميركية تملك حساسية سلبية حيال الرياض. إن فيلم مايكل مور معبّر عن هذه الأجواء وكذلك عدد من الكتب الصادرة في الشهور الأخيرة والتي تأخذ على الرئيس الحالي <<العلاقة العائلية>> بحكام السعودية.

إلى ذلك، فإن <<مجموعة الأزمات الدولية>> ليست بعيدة عن هذه الأوساط. ولقد تعمّدت في تقريرها الأخير (قبل أيام) عن المملكة أن تدعو أي إدارة أميركية حالية أو مقبلة إلى تصعيد الضغط على السعودية مقترحة مجالات للتركيز عليها مقابل الحذر في مجالات أخرى.
ربما لم يكن في وسع الديموقراطيين تبني كلام مماثل لولا حرب بوش على العراق. ومن الأرجح أن هناك من يدفع في هذا الاتجاه معتقداً أنه بذلك يحرّر الدعم الأميركي لإسرائيل من أي وسيلة ضغط عربية.

ومن المقدّر أن هناك من يعتقد أن الوضع القائم سيكون مهدداً إن لم تتسارع الإصلاحات. ولكن، في الأحوال كلها، يبدو أن في الإمكان المجازفة بالزعم أن <<العهد الذهبي>> للعلاقات الأميركية السعودية انقضى. نعرف، تقريباً، الاستنتاجات الأميركية. ما هي الاستنتاجات السعودية؟ هل يكفي الاضطرار إلى المفاضلة، من وجهة نظر الرياض، بين السيئ والأسوأ علماً بأنها مفاضلة يملك الرأي العام العربي رأياً معاكساً فيها؟