المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحاكم والمحكوم في العراق !



المهدى
07-04-2004, 09:13 AM
عبدالله خلف – كاتب كويتى

جريدة الوطن 14/5/2003

الدكتور علي الوردي استاذ علم الاجتماع في جامعة بغداد يقول في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي): «ان ازدواج الشخصية في العراق ظهر منذ زمان قديم وقد كان ظهوره واضحا في صدر الاسلام وربما كان ذلك من الاسباب التي جعلت الكثير من الناس يصفون اهل العراق بأنهم اهل الشقاق والنفاق، ولا تزال هذه السمعة لاصقة بالعراق حتى يومنا هذا، وطالما رأينا أهل العراق أنفسهم يلهجون بها في بعض المناسبات».

وان مضينا مع الدكتور علي الوردي في كتابه فانه يؤكد على ازدواجية الشخصية العراقية حتى يقول: «يغلب على ظني ان من العوامل الفعالة التي ساعدت على استفحال ازدواجية الشخصية في العراق هو ما اتصف به اهل العراق من ميل للجدل وولع به.. الواقع ان النزعة الجدلية كانت ولا تزال قوية في العراق ولعلها أقوى فيه منها في اي بلد عربي او اسلامي آخر».

ويقول في كتابه المشار اليه: «ان من الخصائص التي تميز بها المجتمع العراقي في صدر الاسلام هو انه كان الموطن الذي قضى فيه الامام علي بن ابي طالب معظم ايام خلافته، وكان عليه السلام مثالا رائعا للزهد والعدل والتقوى، ولكن اهل العراق لم يفهموا كنهه في حياته ولم يقدروه حق قدره، فقد كان في أواخر أيامه يشكو منهم مر الشكوى، وقال عنهم انهم ملأوا قلبه قيحا.. وبعد ان مات سرعان ما ندموا على ما فعلوه به، وأدركوا انهم فقدوا به اماما قلما يجود الدهر بمثله وعندئذ أخذوا ينثالون على تقديسه وتمجيده ويغالون في ذكر مناقبه».

وصار العراق موطن المعارضة للدولة الأموية، وتوالت الثورات في العراق مما جعل الولاة يضيقون عليهم الخناق ويضطهدونهم وأرغم الأمويون العراقيين على نبذ عليا وشتمه على المآذن والمنابر..

وعندما انقلبت الخلافة الى ملك كما اشار ابن خلدون في المقدمة صفحة 203-209، هنا ظهرت فجوة واسعة بين مثلهم وواقعهم الاجتماعي..
ثم سيطرالمعتزلة على الفكر العراقي زمنا واثاروا «قضايا جدلية في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وانشغل العراقيون في جدال عقائدي.. وعمل السيف فيهم اعمالا.. وتمكن الاضطهاد فيهم تلو اضطهاد ولولا القتل والابادة والتطاحن لكان شعب العراق الآن من اكثر الشعوب تعدادا بالسكان، شعب يحصد بعضه ولولا ذلك لفاق منذ زمن بعيد على المائة مليون.

وفي العهد العثماني بالعراق ازدادت النزعة الجدلية من جراء النزاع الطويل بين الشيعة والسنة، نزاع جدلي وليس في حروب، تصارع الفرس والأتراك وكلما تغلبت احداهما حكمت العراق.. وهكذا بقيت بغداد منذ ان شيدها ابو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس مركزا مهما للعالم الاسلامي بل بؤرة حية في المنظومة العالمية القديمة ومركزا لحضارة الاسلام ومحور حضاراته..

وان عدنا الى سقوط بغداد في زمن المستعصم بالله 656هـ-1258م آخر الخلفاء العباسيين لم يشهد العراق حكما عربيا فبقي العراق حينا يخضع لفارس وحينا للاتراك يسوسه ولاة طغاة وبقي بعد سقوط بغداد بجيوش التتار 750 سنة يحكمه الفرس والاتراك والمماليك هكذا الى ان حكمه اول عربي سنة 1921 وهو الملك فيصل بن الحسين.. جاء في كتاب علي الوردي: (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) في باب علاقة الحاكم بالمحكوم: «كانت الحكومة العثمانية تحرص كل الحرص على ان تحافظ على هيبتها في اعين الناس فهي لا تبالي ما يفعل الناس بأنفسهم ما داموا يحترمونها ويبدون مظاهر التزلف امامها وصار ذلك من التقاليد الاجتماعية..

وكان الموظفون في القرن التاسع عشر يطلق عليهم (الافندية) يتمسكون بمظاهر الهيبة لا يخالطون العامة، يتكبرون عليهم وكانت لهم نواديهم ومجالسهم.. وكان الوجهاء يتقربون اليهم».
ومن الغريب ان الولاة الذين حكموا العراق اغلبهم شرطة اتراك او من الفرس يبطشون بأسلحتهم حتى يصير هذا الشرطي الصغير حاكما..

والأغرب من كل هذا ان داود باشا هو آخر المماليك بيع في اسواق النخاسة اكثر من مرة واعتنق الاسلام بعد المسيحية وبيع في سوق النخاسة في بغداد فعمل خادما ثم كاتبا الى ان صار بمنصب (الكتخدا).. يشترونه من اسواق النخاسة ثم يصير حاكما على العراق..

هناك خلل في المجتمع العراقي لم يدرسه جيدا الا الدكتور علي الوردي الذي شخص فيه الازدواجية.. وادرك فيه العنف والخنوع والسكون امام الطغاة والتمرد امام الصالحين.. فأي ديموقراطية سيقبلها العراقيون وكيف سيتفقون على رأي واحد بعد ان قال عنهم التاريخ ان اتفاقهم من الامور المستحيلة..
كتب علي الوردي يجب اعادة طبعتها لتنشر في البلاد العربية.. وعلى الحلفاء وخاصة الامريكان ترجمتها وترجمة ما وضع في ايام الحكم الانجليزي من قانون العشائر..

الشعب العراقي له تقاليد واعراف هي سبب عزوفه عن العمل وركونه الى المقاهي لتعمل المرأة في الاعمال الشاقة كالبناء وحمل الانقاض والصعود بلباسها الاسود النسائي سلالم البناء في العمارات والرجل يركن بكامل لباسه (البشت) العباءة والدقله والبالطو اوالجاكيت والعقال صيفا وشتاء بهذه الملابس الثقيلة ويجلس في المقاهي وزوجته تعمل في البناء والحفر والزراعة..
والرجل عنده كل العمل الحرفي مشين ويراه عيبا وزراعة الخضارمستهجنة فهو يجلس في المقاهي وان جاء الليل واتيحت له الفرص فيتجرد من ملابسه الثقيلة ليحترف السطو ويفتخر بها، انه اعد فقط للغزو والنهب لا الزراعة والبناء والصناعة هذه الاعمال للنساء والاغراب فقط..